المنتديات اتصل بنا
 القائمة الرئيسية
 أقسام دروس جامع الأئمة:
 أقسام المقالات:
 اقسام مكتبة الشبكة
 القائمة البريدية:
البريد الإلكتروني:
 البحث:
الصفحة الرئيسية » دروس جامع الأئمة. » دروس في علوم القرآن » نسيان موسى عليه السلام وفتاه
 دروس في علوم القرآن

الأخبار نسيان موسى عليه السلام وفتاه

القسم القسم: دروس في علوم القرآن المصدر المصدر: شبكة جامع الأئمة عليهم السلام التاريخ التاريخ: ١٨ / ١١ / ٢٠١١ م ٠٥:٣٣ م المشاهدات المشاهدات: ٥٧٤٧ التعليقات التعليقات: ٠

      ورد سؤالان من ناصر الحوزة الناطقة دام توفيقه :
في الأول : ورد في الآية ٤٢من سورة الحجر قوله تعالى{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} وورد في الآية ٨٢ - ٨٣من سورة (ص) قوله تعالى {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} وفي الآية ٦٣من سورة الكهف في حوار موسى عليه السلام مع فتاه قوله تعالى {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} .
فكيف للشيطان أن ينسي أولياء الله في حين إن الشيطان ليس له على المخلصين سلطان، وإذا كان النسيان هو مايريده موسى عليه السلام كما في الآية ٦٤من قوله تعالى على لسان موسى(قال ذلك ما كنا نبغ ....) لـماذا كان الشيطان هو من أنساه وقد علمنا إن ليس للشيطان سبيل على عباد الله الصالحين ؟

أما السؤال الثاني : هناك سؤال طرح على السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر قدس سره الشريف مضمونه (من هو الأعلم موسى عليه السلام أم الخضر عليه السلام) فأجاب قدس سره (موسى اعلم من الخضر) ونحن نجد إن الآية ٦٦ من سورة الكهف تشير إلى أن موسى عليه السلام يطلب التعلم من العبد الصالح كما في قوله تعالى{قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} فهل إن موسى عليه السلام اعلم إجمالا في حين أن الخضر عليه السلام اعلم بجزئيات محددة ؟

الجواب : -
في البدء يجب أن نوضح ما يلي :
إن الذي نسى الحوت ليس موسى عليه السلام وإنما هو فتاه يوشع بن نون ذلك الرجل المؤمن الذي كان بخدمة موسى عليه السلام .
وهذا ما جاء عن لسانه عندما قال لموسى : {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} وحسب ما جاء في حواريّة الآية المباركة : {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} الكهف : ٦٣.
أما قوله تعالى : {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا} الكهف : ٦١ .
فهنا نجد أن الله تعالى قد نسب النسيان لكليهما ولم يحدد شخصاً واحداً .
ولكن يمكن لنا أن نجد له وجهاً آخر ويبقى الناسي هو يوشع بن نون كما قال هو نفسه .
لأن هناك شواهد في القران تدل على أنه في بعض الأحيان يجتمع شيئان ويصدر فعل من أحدهما ولكن من باب التغليب ينسب الفعل لهما معاً . ومن هذا القبيل قوله تعالى {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} إلى أن يقول تعالى : {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} ومعلوم أن اللؤلؤ والمرجان يخرجان من الماء المالح لا من العذب ، ولكن الله تعالى نسب إخراج اللؤلؤ والمرجان منهما ولم يقل خروجهما فقط من البحر المالح . وذلك كما قلنا من باب التغليب ، وهذا كثيرا ما يحدث في كلام العرب أيضاً .
ولكن رغم ذلك يمكن أن يجاب عن ذلك السؤال ولو تنزلاً بأن ننسب النسيان عملياً لموسى كونه هو صاحب الأمر مع فتاه يوشع بن نون ، وكان كل ما يجري من تحرك في رحلتهم فهو تحت رعاية موسى عليه السلام . فيكون الجواب كما يلي :
هناك علاقة بين الأشياء حتى وإن وجد بينهما التضاد والتعاند ، هذه العلاقة تتقوم بها حياتنا وباتجاهين ، تجاه الخير وتجاه الشر ، بحيث إن هذا الأمر له من الدقة يصعب معها فهم العلاقات المتداخلة بين الأشياء .
وقد يعجز الإنسان في كثير من الأحيان عن فهمهما وهضمهما .
ومن الأشياء التي لها علاقة بالإنسان أو قل لها منشأ من مناشئ التأثير على النفس هو النسيان سواءاً من الناحية السلبية أو الايجابية ، فتارة يكون خيرا وأخرى شراً لنفس الإنسان وبحسب الجهة المنظور إليها .
ولنرى مثال النسيان عندما يكون خيراً للإنسان ، وذلك عندما يكون بصفته نعمة يمن الله تعالى بها على بني آدم ، لكي لا يبقى أثر الألم والحزن ملازماً للإنسان طوال عمره .
وأما النسيان الذي يكون شراً ، وهو الذي يعود على النفس بالألم والحرمان والأحزان ، وذلك عندما يكون سببا في أن نترك أو نغفل عن أشياء حسنة ومفيدة ما كان لنا أن نتركها ، فيكون تركها بسبب النسيان جالباً للأذى والألم .
وهذا النسيان بصنفيه لا يمكن أن يكون في حق المعصوم عليه السلام .
فأما النسيان الايجابي فلا يحدث للمعصوم ويحدث لمن هو أدنى منه من المؤمنين وغيرهم ، وذلك لأن المعصوم عليه السلام لا يحتاج إلى من ينسيه الأمر المحزن والمؤلم حتى يتمكن من العيش والاستمرار بالحياة الدنيا بشكل طبيعي ، بل إن المعصوم وبما له من ولاية على هذا الوجود والسيطرة على أجزائه ومجرياته يكون قد علم الواقعة التي يحدث فيها الألم ، ويعلم كيف أن هذه الواقعة تسير ضمن التخطيط الإلهي ، بل يعلم أن ما حدث هو الأسلم والأكمل ، ومن ثم يقوم بفهمه الفهم الصحيح ، بحيث يتماشى مع الواقعة بسير طبيعي ولا يمكن لبقاء لحزن في ذاكرة المعصوم من أن يؤثر تأثيراً سلبيا على حياة المعصوم عليه السلام ، بل للمعصوم القدرة على الاستمرار في هذه الحياة وبما هو مطلوب منه على الرغم من وجود آثار الواقعة المؤلمة عليه كفقد الأحبة وغيرها من الوقائع.
وخير مثال عملي على ذلك هو إمامنا علي ن الحسين السجاد سلام الله عليه بحيث تعامل مع حادثة الطف ووقائعها على طول عمره الشريف كأنها ماثلة أمام عينيه ولم يترك مناسبة مهما كانت صغيرة إلا وقرنها بما جرى مع أبيه وإخوته وأصحابه وسبي حريمه وعياله .
أما النسيان السلبي الذي يكون شراً ، فهو مع الأنبياء سالب بانتفاء الموضوع بحيث أن هذا الأمر مفروغ منه وذلك لأن الأنبياء والمرسلين والمعصومين بشكل عام لا يجوز عليهم السهو والنسيان ، وهذا ثابت في مباحث العقيدة .
وبعد بيان هذه المقدمة نشرع بالإجابة على التساؤل :
إن الشيطان له نحو ارتباط مع الإنسان ، وبأشكال مختلفة أوضحها اشتراكه معنا في هذا الوجود ، وبما أننا نتعامل مع الموجودات سواء كان الإنسان على مستوى النبوة والإمامة أو على مستوى الأناس العاديين ، فكذلك الشيطان يتعامل مع نفس الموجودات تلك ، ويؤثر عليها بنحو من أنحاء التأثير ، فبالتالي يكون هذا الارتباط والتداخل موجود بشكل من الأشكال للوساطة والسببية ، وقد يكون هذا الارتباط أو العلاقة على ثلاثة أشكال :

الأول :

أن يؤثر الشيطان على الإنسان بعد الدخول في أعماقه والسريان فيه كسريان الدم في العروق ، وكلما خاض الإنسان بالموبقات والذنوب كان استحواذ الشيطان عليه أقوى وأشد ، ولعل الآيات القرآنية التالية توضح هذا النوع من العلاقة بين الشيطان والإنسان .
١- {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ} المجادلة : ١٩.
٢- {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} البقرة : ٢٧٥ .
٣- {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} آل عمران : ١٥٥.
٤- {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} آل عمران : ١٧٥.
٥- {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} النساء : ٦٠.
٦- {وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} الأنعام : ٤٣.
٧- {فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} الأعراف : ١٧٥.
٨- {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} النمل : ٢٤ .
٩- {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} المجادلة : ١٠ .
١٠- {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} الزخرف : ٣٦.
١١- {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} الشعراء : ٢٢١-٢٢٢.
والى غيرها من الآيات في هذا الصدد .

الثاني :

إن الشيطان يحاول أن يؤثر على الإنسان ولكن ليس بالدخول والسريان في أعماقه ، لأنه لا يتمكن من ذلك ، وإنما يقوم بالتعرض له من الخارج وخصوصاً بالأشياء التي لها علاقة وارتباط مع هذا الإنسان .
ولابد من القول بأن الله تعالى بيده مساحة عمل الشيطان ، وصحيح أن المعصوم عليه السلام قد خرج من دائرة تأثير الشيطان على ذاته الطاهرة ، إلا أن الله تعالى إذا أراد أن يبتلي نبيّه أو وليّه ، لابد أن يجعله يحتك بدائرة التعامل مع الشيطان ، وما ذلك إلا لأن الشيطان قد أثّر أثره على الكثير من الناس في هذه الدنيا ، والمعصوم موجود أيضاً فيها ، إذن في الحال هذه لابد أن يتعامل مع هذه الدائرة ، بل هو أصلاً قد بُعِثَ للتضييق من هذه الدائرة .
والتعامل مع دائرة تأثير الشيطان يكون بطريقين :

الطريق الأول :
هداية الناس للخروج من تأثيرات وحبائل الشيطان التي تغير من إنسانيتهم التي وجدوا من أجلها ، ولكي يتوجهوا التوجه الصحيح للنور الإلهي الساطع .

الطريق الثاني :

مواجهة الشيطان للتقليل من تأثيراته التي يحدثها من أجل عرقلة مسير الأنبياء والمصلحين ، لأن الشيطان كما قلنا لا يؤثر على النبي أو المصلح ذاتيا وإنما يؤثر ويسيطر على الأفراد الذين يحيطون بالمعصوم عليه السلام ، وبذلك سوف يؤخر عملهم الإصلاحي المبارك ، ويمكن أن نذكر بعض الآيات القرآنية المباركة التي توضح هذا الأمر :
١- {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} القصص : ١٥.
٢- {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} الحج : ٥٢.
٣- {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ } الأنعام : ١١٢.
٤- {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ} النساء : ٧٦.
٥- {إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} يوسف : ٥ .
٦- {وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} يوسف : ١٠٠.
٧- {إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} فاطر : ٦ .
٨- {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} البقرة : ١٠٢.

الثالث :

هناك أمور في هذا الوجود وحسب المصلحة والحكمة الإلهية قد تخفى مقدمات حدوثها على بعض الأنبياء والرسل فضلاً عن غيرهم من المصلحين الإلهيين ، وما في ذلك من خِلّة أو الإقلال من شأنهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، بل لله تعالى أن يضع أنبيائه في ساحة الاختبار وساحة الاحتياج إليه تعالى ، وحتى في حال تسلطهم على الأسباب والعلل .
وفي هذا القسم إذا أراد الله تعالى أن يحدث أمراً ، هنا يؤثر تأثيراً مباشراً على الإنسان بحيث يجعل نتائج العمل المرجو إيجاده وحدوثه تتشكل نتيجة أمر النسيان مثلاً وكما حدث لموسى في أمر الحوت ، أو عن طريق الإصابة بالمرض والضر كما حدث لأيوب عليه السلام .
ولم يكن حينها أي تقصير من قبل موسى أو أيوب عليهما السلام ، لأنه أمر لكل منهما ولابد من حدوثه ، ولا يُشكّل والحال هذه خلة أو تسلط من قبل الشيطان على ذات المعصوم وبأي حال من الأحوال ، وإنما التسلط كان من قبل الله تعالى لا غير .
كل ما في الأمر عندما نسب موسى عليه السلام النسيان إلى الشيطان ، وذلك لأن النسيان بدرجة من درجاته يسعى الشيطان لحدوثه في الإنسان ، لكي يكون سبباً في إعاقته عن تأدية ما يريده في الوقت المناسب له . وإذا ما حدث هذا النسيان فإنه سوف يكون شراً على الفرد ، وهذا أمر عرفي نعيشه ونلمسه كلنا بدون استثناء ، لأن أول من يريد عدم تحقيق الأمر الحسن والنافع في الدنيا والآخرة هو الشيطان وهذا مما ينبغي أن يكون واضحاً لكثرة التجارب التي تدل على ذلك .
ولكن إن الأمر الملفت للنظر إن في حادثة النسيان التي حصلت لموسى عليه السلام وفتاه إنهما استغلا هذا الأمر لصالحهما ، وبدل من أن يتحقق ما أراده الشيطان من النسيان ، تجدهما قد قاما بخطوات حصّلا من خلالها الأجر والثواب وخرجا ناجحين من تلك الحادثة بالرغم من أنهما نسبا فعل النسيان للشيطان ، وهذا الأمر قلما يلتفت إليه . وكان حصولهما للزيادة في الأجر والثواب للأسباب التالية :
١- إن موسى عليه السلام كان يريد الوصول إلى هدف فيه رضا الله تعالى وهو لقاءه بالخضر عليه السلام ، ولكنه بعد أن تجاوز محل اللقاء ، كان هذا زيادة له في الأجر للمشقة التي نالت موسى وفتاه نتيجة المسير الطويل ، ولعل هذا يبدو واضحاً من قول موسى لفتاه {آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} الكهف : ٦٢ .
٢- في نفس حدوث أمر نسيان الحوت وبعد أن تركا مجمع البحرين وابتعدا عنه ، وعندما تذكراه ، لم يجزع النبي موسى عليه السلام ولم يصبه الملل بل أصر على تحقيق الهدف الإلهي من لقائه بالخضر ، فهم بالرجوع مرة أخرى وبنفس الهمة التي كانت قبل حدوث أمر التذكر ، بل على العكس لقد عاد وهو في منتهى الجهد والإرهاق ، وهذا يدل على همته العالية سلام الله عليه التي يستحق من خلالها نيل الدرجات العالية .
٣- إن موسى عليه السلام كان يشعر والى حد لحظة التذكر وما بعدها بأنه عبد من عبيد الله تعالى المفتقرين إلى العطاء الإلهي وإنه وإن كان رسولاً نبياً وكليماً لله تعالى ، لكنه يبقى متواضعاً ويبقى خائفاً وجلاً من الله عز وجل ، ولذلك سوف يبقى حذرا من ألاعيب الشيطان وحيله ، وأنه لا يغتر برتبته ونبوته ، بحيث لا يفكر بالشيطان على الإطلاق ، بل هذا موسى على عظيم شأنه وكبر مقامه ، تراه متواضعا وينسب إلى نفسه تارة الفقر {فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ...} القصص : ٢٤ . وتارة ينسب مجرد أمر تأخير اللقاء بالخضر عليه السلام إلى الشيطان كونه قد يسعد بإنساء موسى عليه السلام أمر حوته حتى لا يتم اللقاء .
واعلم إن لقاء موسى بالخضر عليهما السلام هو لقاء خير وبركة وعلم وتعلم ، كيف لا ! واللقاء يكون بين نبي عظيم من أولي العزم وبين ولي من أولياء الله تعالى آتاه الله علماً من لدّنه ، فتصور والحال هذه ما هي الفوائد التي سوف تخرج من ذلك اللقاء ، بحيث يستفاد منها عباد الله المؤمنين ، وتكون لهم منهجاً ودستوراً حياتيا جديدا بحيث يكشف ويبين الكثير من العلل في هذا الوجود الدنيوي .
إذن ما دام الحال سوف يكون بتلك الصورة المفيدة والمباركة فهل تظن أن الشيطان يرضى بذلك ؟ والجواب أكيد لن يرضى ، إذن ظاهراً طابق أمر النسيان هوى الشيطان ، لأن موسى عليه السلام ظن بأن النسيان الذي حصل له ولفتاه قد يؤخر اللقاء الموعود به مع الخضر ، وهذا التأخير يسعد الشيطان . ولذلك قال فتى موسى {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ } وفي ذلك منتهى الإخلاص والانتباه من قبل موسى وفتاه والتوجه لله تعالى بحيث شعرا حتى بالنسيان الذي أحاطه الله تعالى بهم ، بأنه غفلة وابتعاد عن ساحة القدس والفيض الإلهي .
وفي ذلك لا توجد أي خلّة من جانب قدسية ونبوة موسى عليه السلام ، ويبقى معصوماً ومحاطاً بالعناية الإلهية من كل جانب ، ولا يمكن للشيطان أن يخترق حجاب النبوة بحال من الأحوال . وكما قال تعالى : {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} .
ويمكن أن يجاب على السؤال بمستوى آخر وهو :
إن موسى عليه السلام كان يعلم بأن المكان الذي سوف يتم فيه اللقاء مع الخضر عليه السلام هو ذلك المكان الذي يتم فيه نسيان شيء ما . وما ذلك إلا لإخباره من قبل الله تعالى بأمر النسيان . وعندها يمكن لنا أن نقول إن النسيان قد جعله الله تعالى علامة أو سببا لمعرفة المكان الذي أراد الله تعالى أن يكون لقاء موسى والخضر فيه .
أي إن موسى عليه السلام كان يعلم بأن الله سوف ينسيهما أمر ما وعندما يتم تذكر الأمر المنسي وبغض النظر عن كونه أمر الحوت أو غيره ، فإنه سوف يكون العلامة التي يستطيع موسى عليه السلام من خلالها معرفة مكان اللقاء .
وبعبارة أخرى أنه عندما أراد الله تعالى أن يجعل لموسى علامة مميزة وفارقة ، من الواضح عندها يكون الاختيار لأمر غريب وجديد حتى يلتفت إليه موسى بنباهة وتركيز أعلى ، بخلاف ما لو كان الأمر شأنه طبيعي ومتكرر ، لأنه من الممكن أن يغفل الفرد عندها . ولذلك كان اختيار أمر النسيان لكي يكون العلامة التي يستغرب عندها موسى لأنه لم يسبق له أن مر بمثل هذه الحالة من قبل وعندها سوف يتحرك التحرك المراد الإتيان به من خلالها .
ويبقى شيء علينا ذكره وهو : إن الله تعالى عندما يريد أن يوجد الأشياء في هذا الكون فإنه تعالى يهيئ الأسباب لذلك ولابد أن تحدث الأمور بأتم نظام وأتقن صنعه ، وهنا عندما أراد الله تعالى أن يحدث أمر اللقاء بين موسى والخضر عليهما السلام هيئ الأسباب اللازمة لهذا اللقاء ، وبخطوات وأسباب كلٌ منها يأتي بثمرته المرجوة من إيجاده ومهما كان أثره بسيطا أو عميقاً بالظاهر ، وذلك لأن أمر البساطة والتعقيد والصعوبة هي أمور بحسب قياساتنا لها تكون كذلك ، ولكن عند الله تعالى الأمور تختلف ، فلا يوجد أمر صعب أو أمر سهل أو بعيد أو قريب ، وعندما اوجد الله تعالى سببية اللقاء وعلقها بالنسيان فانه لابد هناك من وجود مصلحة يتم فيها الأمر على أكمل وجه .
هذا ما يتعلق بموسى عليه السلام ، أما ما يتعلق بنا وما هي العبر والدروس من هذا الأمر فيمكن أن يكون منها ما يلي :
أولاً :
إن الإنسان في الكثير من المواقف التي يمر بها في حياته وفي مسيره نحو رضا الله تعالى والمعصوم عليه السلام يطلب محطات للتعلم والرقي والتكامل ولكن أثناء مسيره يغفل عنها ويمر بها دون أن يشعر بأنه قد مر بها ومن ثم يتجاوزها من دون أن يستفاد منها ويرحل عنها ثم يفوته الخير الكثير .
ولذلك على الفرد المؤمن بين الحين والآخر عليه أن يقف وقفة حساب وتفكر واستذكار لما مر فيه من مواقف من أجل أن يعرف موقفه وتحركاته وإتباعه هل هو سائر بالخط الصحيح أو لا يحتاج إلى أن يرجع إلى نقطة تعلم قد فاته الاستفادة منها في السابق .
ثانياً :
ليس دائما التقدم والمسير نحو الأمام هو الصحيح على الدوام ، لا بل هناك محطات من أجل أن يتكامل بها الإنسان عليه أن يعود إلى الوراء من أجل الحصول على الزاد المناسب لذلك ، وعندها يكون الرجوع خير وعلى الفرد أن لا ييأس وليعلم بأن الله تعالى لا يسد بابه ويبقى لطالب الخير والصلاح عون .
ثالثاً :
إن رجوع موسى عليه السلام إلى مجمع البحرين للقاء الخضر عليه السلام يعلمنا انه قد رجع إلى درس عملي من دروس الله تعالى ليتعلم منه ، ولم يكن للخضر في نفسه شيء بل كان نظر موسى عليه السلام وتوجهه إلى الله تعالى لا غير ، وكان يأخذ درسه من الخضر وهو في منتهى الصعقة والتعلم من الله ، ولم يكن ينظر إلى نبوته ورسالته وما يمليه هذا الدور منه بتعليم الناس وإرشادهم ، وهو عكس ما يقوم به الآن من طلب التعلم من الخضر عليه السلام ، فعلينا كمؤمنين أن نبقى طلاب علم وتعلم وأخذ سبل الرشاد ممن هو أعلم وأكمل منا ، في الجوانب التي لم يكن لنا عليها سبيل ، وان لا تأخذنا العزة بالإثم مثل التكبر والجهل وضياع ما هو المطلوب منا كمؤمنين من طرق التكامل والتعلم التي لا يمكن عدّها وحصرها .
هذا ما يخص الإجابة حول السؤال الأول / وسنفرد الإجابة حول السؤال الثاني ببحث خاص في اقرب وقت إن شاء الله تعالى .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين وعجل فرجهم والعن عدوهم

١٨ ذو الحجة
همام الزيدي
لا اجيز نقل الموضوع او نشره الا بعد ذكر المصدر

 

ارسل سؤالك حول الامام المهدي

مفتاح البحث مفاتيح البحث:السلام، حوتهما، عليه، فتاه، موسى، نسيا
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل
 مكتبة آل الصدر
 

 تطبيق جامع الأئمة ع

 التسجيل الصوتي لخطب الجمعة
 التسجيل الصوتي لخطب الجمعة
 أخترنا لكم من الكتب:
نستقبل طلباتكم واستفساراتكم